اقسام المدونه

‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلسلة رسائل الايمان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلسلة رسائل الايمان. إظهار كافة الرسائل

خطورة استباحة المال العام الرسالة (34) من رسائل الايمان

 


   بسم الله الرحمن الرحيم

خطورة استباحة المال العام

الرسالة (34) من رسائل الإيمان

الحمدُ لله مُعزّ من أطاعه واتقاه. ومُذل من خالف أمره وعصاه. وفّق أهل طاعته للعمل بما يرضاه، وحقّق على أهل معصيته ما قدّره عليهم وقضاه. أحمده سبحانه على حلو نعمه ومر بلواه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا رب لنا سواه، ولا نعبد إلا إياه. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ونبيه ومصطفاه فطوبى لمن والاه وتولاه. صلى الله ّ عليه وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في الله حق جهاده. وكان هواهم تبعاً لهداه. وسلم تسليما كثيرا.

 أما بعد:

أهمية المال

  فإنَّ المال هو قِوام الحياة، وهو من أهمِّ وسائل تعمير الأرض؛ لتُعين الإنسان على عبادة الله – عزو جل -، وقد أمَرَنا ربُّنا بالمحافظة على هذا المال وتنميته، وأساس ذلك قولُ الله - تعالى -:   { وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ } [النساء:5]

 وأمَرَ الرسول - صلى الله عليه وسلم  - الإنسانَ أن يُدافعَ عن ماله؛ فقد صحَّ عنه قولُه: «مَن قُتِل دون ماله، فهو شهيد »[مُتفق عليه من حديث عبدالله بن عمرو]وهذا القتال من أجل المال ليس على اطلاقه حتى لا يقاتل الانسان اخوه المسلم على أتفه شيء، من ماله بل يتحرز من سفك الدم وليمت مظلوم خيرٌ له من الموت ظالما).

و الإسلام عظّم شأن المال وشدّد في أمره؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كما في المتفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين» [ متفق عليه] معناه أنه يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين أي فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقاً في عنقه.

فكيف بمن ظلم أكثر من ذلك لو أخذ مترًا، أو أخذ ميلاً، أو أخذ أميالاً، إذا كان أخذ الشبر يطوق صاحبه من سبع أرضين يوم القيامة.

وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم  – قَالَ: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار و حرم عليه الجنة» قَالَ لَهُ رَجُلٌ: وإِنْ كَانَ شَيْئا يَسِيراً، يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبا مِنْ أَرَاكٍ». [رواه مسلم ].

ولقد تحدَّثَ اللهُ عن الْمالِ في ستةٍ وثمانين موضعاً، نصَّ في بعضها صراحةً على وجوب المحافظةِ عليهِ من الضَّيَاع، وحذَّرَ من التعدِّي عليه بأيِّ وجْهٍ من الوُجوه، قال تعالى مُحذِّراً عبادَهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ }[ [النساء:29]

تعريف المال العام

المال العام: هو مال المسلمين عامة؛ وهو ما يعرف اليوم بمال الدولة، أو المال العام.

المال العام: هو ما كان مُخَصَّصًا لمصلحة عموم الناس ومنافعهم، أو لمصلحة عامة، كالمساجد والرُّبُط، وأملاك بيت المال.

المال العام : هو جميع الأموال المملوكة للدولة سواءً كانت هذه الأموال عقارات أم منقولات.

خطورة المال العام

 بيتُ مال المسلمين مِلْكٌ للمسلمين جميعًا، وليس مِلْكًا لفِئَة معيَّنة من الناس، والقائمون عليه إنَّما هم أُمَناء في حِفْظه وتحصيله، وصَرْفه لأهْله، فلا يحلُّ لأحدٍ أن يعتديَ عليه، أو يأخُذَ منه ما لا يستحقُّ.

الاعتداء على المال العام أمرٌ خطير، وذنبٌ عظيم، وجُرْمٌ كبير، والواجبُ على مَن أخَذَ منه شيئًا أنْ يتوبَ إلى الله - تعالى - وأنْ يَرُدَّ ما أخَذَ.

الاعتداء على المال العام مِن أخطَر القضايا التي تُهدِّد الأمنَ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

 الاعتداء على المال العام سرطان ينخر في اقتصاد الأمة.

جزاء المتخوض في المال العام

جاءَ الوعيدُ الشَّديدُ فيمن يخوضُ في مالِ المُسلمينَ بغيرِ حقٍّ، قالَ -‰-: «إنَّ هذا المالَ خضِرةٌ حُلوةٌ، فَمن أصابَه بحقِّهِ بُورِكَ لهُ فيهِ، ورُبَّ مُتخَوضٍ فيما شاءَتْ نفسُه مِن مالِ اللهِ ورسولِه، لَيسَ لهُ يومَ القيامةِ إلَّا النَّارُ».[صحيح الترمذي: 2374]

وعن خَوْلةَ الأنصاريَّة رضي الله عنها أنَّها سَمِعتْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: « إنَّ رجالاً يتخوَّضون في مالِ الله بغير حقٍّ، فلهم النارُ يومَ القيامة » [ رواه البخاري] قال ابن حجر في الفتْح: أي يَتَصرَّفون في مال المسلمين بالباطل.

حتى ولو كانَ شيئاً يسيراً حقيراً

 تُوفِّيَ رجلٌ من أصحابِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يومَ خيبرَ، فذَكروا لرسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: «صلُّوا على صاحبِكم»، فتغيَّرتْ وجوهُ النَّاسِ لذلِك، فقالَ: «إنَّ صاحبَكم غلَّ في سبيلِ اللَّهِ»، ففتَّشنا متاعَه، فوجدنا خرزًا من خَرزِ يَهودَ لا يُساوِي دِرهمينِ.[ صحيح: أخرجه مالك في الموطأ في الجهاد، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه]

وفي الصحيحين عن عمر -رضي الله عنه -: "لَمَّا كان يوم "خَيْبر" أقْبَلَ نفرٌ من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم  - فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مرُّوا على رجلٍ، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم  -: «كلاَّ؛ إني رأيْتُه في النار في بُرْدَة غَلَّها أو عَبَاءَة»، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم  -: «يا ابن الخطاب، اذْهَبْ فنادِ في الناس، أنَّه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون»، قال: فخرجتُ، فناديتُ: ألاَ إنَّه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.

هدايا موظف الدولة

كلُّ ما يأتي: الإنسانَ من أموالٍ أو هدايا، وكان قائمًا أو عاملاً في عمل يخصُّ بيتَ المال، فإنَّ هَديَّته تُرَدُّ إلى بيت المال ولا يأْخُذها؛ إذ لو جَلَس في بيته ما حَصَل على هذه الهدايا والعطايا،استمعوا لخير الورى يحذر في هذا الأمر أشد التحذير: أخرج البخاري في صحيحه، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيّ -رضي الله عنه- قَالَ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلًا ِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وهَذَا أُهْدِيَ لِي، قَال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ ».

لماذا الحديث عن المال العام

o لأن هناك فئة من الناس لبَّس إبليس عليهم، وظنوا أن المال العام حلال و أنه من حقهم أن يستخدموا المال العام في أمورهم الخاصة وهذا عين الجهل والضلال؛ من حقِّ الناس جميعًا الانتفاعُ بالمال العام حسب الضوابط التي يضعها ولِيُّ الأمر، والمستنبَطَة من أحكام ومبادئ شريعة الإسلام.

o حديثنا عن حُرمة العام لأننا في زمن وصفه صلى الله عليه وسلم، َ فقَالَ: «سَيأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنْ الْحَرَامِ» [البخاري].

o حديثنا عن المال العام لأننا نرى من يُعيّن في منصب وهو من الفقراء وماهي إلا سنة أو سنتين وإذا به من الأثرياء . من أين له هذا ؟

متى تعرف أن هناك خلل

إذا رأيتَ بلاداً بالمواردِ الطَّبيعيةِ والثروات غنيَّةً، ورأيتَم في ربوعِها الفقرَ والجوعَ، فاعلموا أنَّ هناكَ خللاً في التَّصرفِ بالمالِ العامِ.

اذا رأيت بلادا غنية بالمنافذ والموانئ ولم تستطع أن توفر خدمة الكهرباء، والماء، والدواء، فأعلموا أن هناك سوء تصرف وخيانة في المال العام.

مظاهر العبث بالمال العام

ü المجاملة في ترسِيَة العَطَاءات والمناقصات - عمْدًا - على شخصٍ بعينه، ويوجَد مِن بين المتقدِّمين مَن هو أفضلُ منه.

ü الاختلاس: وهو استيلاء الموظَّفين والعاملين في مكانٍ ما على ما في أيديهم من أموال نقديَّة دون سندٍ شرعي.

ü الربح من الوظيفة واستغلالها لأغراضه الأساسية

ü تعيين الأقارب والمعارف دون النظر للكفاءة والقدرة والمهارة.

ü الرشوة : قبول الرشاوي لتسيير المصالح تحت مسمي الهدايا، وهدايا العمال سحت وغلول.

ü استعمال أدوات العمل في قضاء المصالح الشخصية مثل الهواتف وأجهزة الحاسوب وسيارة العمل بل وبعض الموظفين واعتبار ذلك سببا لحصول العلاوات والأجازات والترقيات، مما يجعل الموظفين خدم للمدير يبحثون عن كل فرصة لقضاء مصالحه الشخصية وأداء منافعه وتحقيق طلباته وذلك للهروب من العمل وحصول المنافع والمزايا.

ü عدم إتقان العمل، وإضاعة الوقت، والتربُّح من الوظيفة، واستغلال المال العام لأغراضٍ سياسيَّة.

ü الحصول على عمولة من المشتري أو من المورِّد أو مَن في حُكْمهم؛ نَظِير تسهيل بعض الأمور لهم من قبل الدولة.

ü  الاعتداء على الممتلكات العامَّة - كالحدائق والمستشفيات والمتنزهات - التي ليس لها مالكٌ معيَّن، وأثاث المدارس، كتشويه منظرها بالكتابة عليها، أو كسر النوافذ الزجاجية منها، أو إتلاف الأشجار.

ü  التصرُّف في المال الموقوف للمسجد، واستعماله في أغراض شخصيَّة.

ü سرقة الكهرباء والماء، من الدولة بحجَّة أنَّها لا تُعطي المواطن حقَّه كاملاً.

ü  توقيف ساعة (عدَّاد) الكهرباء أو الماء؛ لا يجوز حتى لو كانت الدولة كافرة؛، والله -¸ - يقول: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا }[ [النساء: 58].

والنبي - صلى الله عليه وسلم  - يقول: «أدِّ الأمانةَ إلى من ائْتَمَنكَ، ولا تَخُنْ مَن خَانك» [رواه الترمذي (1264) وصححه الألباني في صحيح الترمذي ]

ü تساهل بعض الناس في صيانة المنشآت الحكومية وعدم العناية بها، حتى تندثر بسرعة، أو تتكلف أموالًا طائلةً للصيانة.

ü تسهيل المعاملات وتخفيض الرسوم في المنافذ، والجمارك على أن يُعطى الموظف مالا.

 

أمثلة رائعة من تاريخ السلف

v عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ / جاءَه أحدُ الولاةِ وأَخذَ يُحدثُه عن أُمورِ المسلمينَ، وكانوا يستضيئونَ بشمعةٍ بينَهما في اللَّيلِ، فلما انتهى الوالي من الحديثِ عن أمورِ المسلمينَ، بدأَ يَسألُ عمرَ عن أحوالِه، قالَ له عمرُ: انتظر، فأطفأَ الشمعةَ، وقالَ له: الآن اسألْ ما بَدا لكَ، فتعجبَ الوالي وقَالَ: يا أميرَ المؤمنينَ لِم أَطفأتْ الشَّمعةَ؟، فقالَ عُمرُ: كُنتَ تَسألني عن أَحوالِ المسلمينَ وكُنتُ أَستضيءُ بنورِهم، وأما الآنَ فتَسألني عن حَالي؛ فكيفَ أُخبركَ على ضَوءٍ من مَالِ المسلمينَ.

v لما احتضر أبو بكر رضي الله عنه قال: ( يا عائشة أنظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها، والجفنة التي كنا نصطبح فيها، والقطيفة التي كنا نلبسها فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا في أمر المسلمين فإذا مت فاردديه الى عمر!)، فلما مات أبو بكر، أرسلت به الى عمر فقال عمر رضي الله عنه: رضي الله عنك يا أبا بكر: لقد أتعبت من جاء بعدك.

v وعندما جاء جندي بكنوز كسرى بعد هزيمة جيش الفرس، وقدَّمها لعمر بن الخطاب بالمدينة كاملةً، عجب من أمانته وقد كان عنده الفرصة في سفره الطويل أن يأخذ ما يشاء، فقال أحد الحاضرين: يا أمير المؤمنين، عففت فعفت رعيتك.

v الأمر خطير

 إن الأمر جد خطير، والتهاون فيه ثمنه النار، وبئس المصير، أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

أتدرون ما الغلول؟ وما مصيبة الغلول؟ الغلول-ولو لشيء يسير- قد يذهب بالحسنات العظام، بل حتى بالجهاد في سبيل الله، أخرج البخاري أَنَّ رجلا في خيبر استشهد َ. فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «بَلْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا».

فكل ما يأخذه المسؤول من مال الدولة أو عن طريق سلطته إنما هذا غُلُولٌ سيُسأل عنه يوم القيامة؛

العلاج لضبط المال العام

عباد الله اسمعوا إلى القرآنِ وهو يضعُ حَلاً لضبطِ مالِ المُسلمينَ في آيةٍ واحدةٍ فقط، قالَ سُبحانَه: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون} [آل عمران:161]

فجعلَ الحلَّ في أمرين:

الأول: هو القدوةُ، (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ)، فكما أنَّ الأنبياءَ وهم المسؤولون عن بيتِ مالِ المسلمينَ لا يَغلُّونَ ولا تكونُ الخيانةُ أبداً فيمن اختارَهم اللهُ -تعالى- لنبوتِه؛ فالحفاظُ على المالِ العامِ يبدأُ من المسئولينَ، فإذا حفظوا أنفسَهم من الخوضِ فيه، وعلموا أنَّه مالُ المسلمينَ؛ فإنَّك ستجدُ الأمانةَ تسودُ البِلاد.

لمَّا انتصر المسلمون في القَادسية وفتحوا بلاد فارسَ أَخذوا الغَنائمَ وأرسلوها إلى عُمرَ بنِ الخَطابَ -رضي الله عنه- وفيها تَاجُ كِسرى وملابسُه المُرصَّعةُ بالجواهرِ، وبِساطُه المَنسوجُ بالذَّهبِ واللآلئ، فلمَّا رَأى عُمرُ -رضي الله عنه- مِقدارَ ما وصلَ إليهِ من أَموالٍ إلى المَدينةِ، حَمِدَ اللهَ وقَالَ: "إنَّ قَومًا أدُّوا هذا لأُمناءِ"، فأَجابَه عليٌّ رضي الله عنه: "إنَّكَ قد عَفَفْتَ فعفَّتْ رعيتُكَ، ولو رَتعْتَ لرَتَعوا".[ أخرجه الطبري في تاريخه (4/20)، والدارقطني في فضائل الصحابة  19]

الثاني: تخويفُ النَّاسِ بعذابِ الآخرةِ والفَضيحةِ يومَ القيامةِ، {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون}.

 إن السارق من مال الفرد يتحمل إثم واحد يوم القيامة، أمّا من يسرق من المال العام فهو َ من مالِ المسلمينَ جميعاً، ولذلكَ يأتِي بما غلَّ يومَ القيامةِ فضيحةً له أمامَ الملأِ.

كيف نحافظ على المال العام

1- الدعوة إلى تنميته باموال الزكاة والايرادات والثروات، واستثماره حماية له من الاندثار والضياع، من خلال تحريم كنزه، قال تعالى: { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم} [التوبة:34]

2- رفع شعار من أين لك هذا، والذمة المالية لمن يتقلد منصبا، تقديم ما يملكه هو وأولاده ومصادر دخلهم وبعد خروجه من المنصب ينظر هل زاد ماله أم لا.

3- توليةُ الناَّصحِ الصَّادقِ، الأمينِ الشَّريفِ؛ كما قالَ تعالى: ( ) [القصص:26]؛قويٌّ في تخصُّصهِ وإدارتِه، أمينٌ في دينِه وأخلاقِه.

4- الاعتدال وترشيد الاستهلاك، قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67]

5- المحافظة عليه من الرِّبا، قال تعالى: {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ }  [الروم:39]

6- عدم تسليم المال لمن لا يُحسن التصرُّف، قال تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً }  [النساء:5]

7- توعية الأجيال وتربيتهم على حب الوطن، والمحافظة على ثرواته، وتضمين ذلك في المناهج التعليمية في جميع المراحل.

8- توفر اللوائح المالية والقواعد العامة لإدارة الأنشطة المالية.

9- العقوبات الصارمة لمن تسول له نفسه المساس بالمال العام

أسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الحلال ويبارك لنا فيه، وأن يجنبنا الحرام وأهل الحرام، ويحفظ البلاد والعباد ..آمين

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

د. أمير بن محمد المدري

اليمن – المهرة

Almadari_1@hotmail.com

وتس أب : 00967711423239

 

 


خطورة التساهل في الديون الرسالة (33) من رسائل الايمان

 







بسم الله الرحمن الرحيم

خطورة التساهل في الديون

الرسالة (33) من رسائل الايمان

الحمدُ للهِ باسِطِ العَطاءِ، مُجيبِ الدُّعاءِ، أَحْمَدُه سُبحانَه على السرَّاءِ والضرَّاء، حَمداً يَملَأُ الأرضَ والسماء، وما بينهما مما يَشاء، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَه، الملِكُ الديَّانُ، ذو الجودِ والإحسان،{يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْن}[الرحمن:29]

وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه وصفيه وخليله، ورسوله إلى الأنس والجان، صلى اللهُ عليه، وعلى آلهِ وأصحابه واتباعه في كل وقت وآن، وسلم تسليما كثيرا.

وبعد....

                                      خطورة الدين

 روي عن محمد بن جحش رضي الله عنه قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه إلى السماء ثم وضع راحته على جبهته ثم قال: سبحان الله ماذا نزل من التشديد فسكتنا وفزعنا فلما كان من الغد سألته يا رسول الله ما هذا التشديد الذي نزل، فقال: والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيى ثم قتل ثم أحيى ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضي عنه دينه [رواه النسائي حديث رقم 4652، وحسنه الألباني].


أخي الكريم:


إن المؤمن العاقل المشفق على نفسه يسعى جاهدا على أن يلقى ربه سليم القلب بريء الذمة من حقوق الخلق؛ لأنه على يقين أن الحساب عظيم والموقف جليل بين يدي الجبار الذي لا يُظلم عنده أحد ولا يخفى عليه ذرة القائل: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ويُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}[النساء:40]

وقد ورد في السنة الصحيحة زجرٌ شديد ووعيد مخيف لمن تساهل في حقوق العباد فلو جئت بملء الأرض خطايا وذنوب بينك وبين الله، ثم أقبلت على الله فلن يخيبك ولن يردك سبحانه.

 أما ما بينك أنت والخلق لن يُغفر إلا أن يعفو عنك من ظلمت وترد الحقوق إلى أهلها، والا يؤخذ من حسناتك يوم القيامة.        

 ومن أعظم ما يشغل ذمة المؤمن ويثقل كاهله ويورده المهالك يوم القيامة الدَّين وما أدراكم ما الدين؟

هم بالليل ومذلة بالنهار، وصدق من قال: «ذقت طيبات الدنيا كلها فلم أجد أطيب من العافية، وذقت مرارات الدنيا كلها فلم أمر من الحاجة إلى الناس، ونقلت الصخر والحديد فلم أجد أثقل من الدين».

أطول وأكبر آية في كتاب الله هي آية الدين، أوصانا الله فيها بكتابة الديون والإشهاد عليها، قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ }[البقرة:282]

 

الدين لا يكفره الشهادة

هل رأيتم فضل الشهيد، ومنزلته عند الله؛ يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر منزلة عالية، جاد بنفسه في سبيل الله، ومع كل ذلك لا يدخل الجنة ما دام في ذمته دين حتى يقضى عنه دينه، جاء في صحيح مسلم: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في أصحابه فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال فقام رجل فقال يا رسول الله أرأيت إن قُتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي فقال رسول الله: «نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك». [رواه مسلم]. وهذا يدل على أن التورط بالدين من أعظم الأخطار التي يبتلى بها المؤمن في الدنيا.

  وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال:خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هاهنا أحدٌ من بني فلان، فلم يجبه أحدٌ، ثم قال: هاهنا أحدٌ من بني فلان، فلم يجبه أحدٌ، ثم قال: «هاهنا أحدٌ من بني فلان، فقام رجلٌ فقال أنا يا رسول الله، فقال: «ما منعك أن تجيبني في المرتين الأوليين؟ ثم قال صلى الله عليه وسلم: «إني لم أنوه بكم إلا خيراً إن صاحبكم مأسورٌ بدينه » [رواه أبو داود والنسائي].

  وفي رواية: «إن صاحبكم حُبس على باب الجنة بدينٍ كان عليه فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله، فقال رجلٌ عليَّ دينه فقضاه » [قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/168 ].

ربما كان هذا الميت في حياته يملك أموال وعقارات؛ لكنه استدان ومات لم يخبر بها، فلا اله إلا الله كم من أمواتنا محبوسون في قبورهم، محبوسون من النعيم بسبب ديونهم؛ فليتق الله من عليه دين أن يكتبه ويوصي أهله بقضائه، وليتق الله الأبناء في والديهم الأموات بالمسارعة في قضاء ديونهم.

امتناع الرسول عن الصلاة على المدين

   ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يتورع ويمتنع عن الصلاة عن الرجل الذي عليه دين حتى يُقضى عنه دينه، كان يصلي عليه الصلاة والسلام على أصحاب الكبائر، لكن أصحاب الديون لا يصلي عليهم؛ لأن حق المخلوق لا يكفره الاستغفار والدعاء، كما في سنن الترمذي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتى برجل ليصلي عليه، فقال: «صلوا على صاحبكم فإن عليه ديناً»[رواه ابن ماجه2407،وصححه الألباني]. ثم لما وجد النبي صلى الله عليه وسلم يسارا وكثرة في بيت المال صار يقضي الديون عن المؤمنين، وهذا يدل على أنه يتأكد على الدولة الغنية السعي والاجتهاد في قضاء ديون الأموات الذين لم يتركوا مالا يكفي لسداد ديونهم.

من أسباب عذاب القبر الدين

  ومما يدل على خطورة الدين أن صاحبه قد يتعرض لعذاب القبر كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (توفي رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه ثم أتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فقلنا: تصلي عليه فخطا خطوة ثم قال: أعليه دين. قلنا: ديناران فانصرف فتحملهما أبو قتادة فأتيناه فقال: أبو قتادة: الديناران عليّ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قد أوفى الله حقَّ الغريم وبرئ منهما الميت» قال: نعم. فصلى عليه ثم قال بعد ذلك بيومين: ما فعل الديناران. قلت: إنما مات أمس. قال: فعاد إليه من الغد فقال: قد قضيتها، فقال رسول الله: «الآن بردت جلدته». [رواه أحمد بإسناد حسن كما قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب 2/591].

 هذا الحديث وغيره من الأحاديث تدل على عظم شأن الدين وأنه لا يتساهل فيه، وإنما وردت الأخبار في التشديد في الدين لأن ذنوب حقوق العباد مبنية على المشاحة والمطالبة في الآخرة ولا يكفي في تطهيرها مجرد التوبة خلافا للذنوب التي بين العبد وربه فإنها مهما عظمت مبنية على المسامحة والعفو والغفران.

ثلاث تركها نجاة

وعن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا فارق الروحُ الجسدَ وهو بريءٌ من ثلاثٍ دخل الجنة: الكِبْرُ، والدَّين، والغلول» [رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة 6/664].

رسول الله يستعيذ من غلبة الدين

  ومما يدل على خطورة الدين ما ورد: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بكثرة من الدين، فقال له رجل: يا رسول الله ما أكثر ما تستعيذ من المغرم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« إن الرجل إذا غرم حدّث فكذب ووعد فأخلف». [متفق عليه].

 

 

مظاهر تساهل الناس بالدين

   ومع عظم خطر الدين فإن كثيرا من الناس اليوم يتساهلون فيه ومن ذلك:

1- الإكثار من الاقتراض في كل مناسبة.

2- الاقتراض لأي أمر ولو كان من الكماليات والتحسينات، وغالبها للمباهاة والمنافسة للآخرين.

3- التسويف والتأخير في قضاء الدين مع القدرة على السداد.

4-  إشغال الذمة بديون متجددة مع عدم سداد الديون المتأخرة عليه.

5- اقتراض المال العظيم مع أنه يوقن على عدم قدرته على السداد في المستقبل.

6-  اقتراض المال لغرض محرم وفعل المعاصي.

7- الاقتراض من أي مكان حتى لو كان بنكا ربويا أو مصدرا حراما، وهذا من الكبائر.

الدين وسيلة للكسب

 من أعظم الخطر أن يعتقد المرء أن الاقتراض من الآخرين وسيلة مشروعة للكسب ليحصل على القرض ثم يأكله ولا يبالي بصاحبه مطلقا، وقد ورد في هذا الصنف من الناس وعيد شديد؛ فعن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجلٍ يدين ديناً وهو مجمع على أن لا يوفيه إياه لقي الله سارقاً » [رواه ابن ماجة والبيهقي و حسّنه الألباني 2/52]. وغير ذلك من الأحاديث

وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ اَلنَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اَللَّهُ عَنْهُ، ومَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا، أَتْلَفَهُ اَللَّهُ».

اتلفه الله أي المال فلا بركة فيه، أتلفه الله أي وقعت له جائحة أو مصيبة والله اعلم.

إن الذي يستدين من الناس، وينوي عدم الوفاء أو المماطلة سماه رسول الله ظالما، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ».

من أعظم الذنوب

عن أبي موسى رضي الله عنه عن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «إنَّ أعظمَ الذنوبِ عندَ اللَّه أنْ يلقاهُ بها عبدٌ بعدَ الكبائِرِ التي نَهَى اللَّه عنها أنْ يَمُوتَ رجُلٌ وعليهِ دَيْنٌ لا يدَعُ له قضاءً» [أخرجه أحمد في المسند 4/ 392، وأبو داود في السنن 3/ 637 ].

جواز الدين عند الحاجة

 أما من نزلت به نازلة وضاقت عليه السبل فاقترض قرضا ليرفع فاقته وهو يضمر وينوي السداد بنية حسنة ثم عجز عن ذلك فلا يُلام شرعا ولا يؤاخذ في الآخرة، وقد تكفل الله بسداد دينه كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه». [رواه البخاري]. وهذا من إكرام الله ولطفه وجوده بعبده الصالح فجازاه وكافأه لصدقه وأمانته.

  وقد دلت السنة على جواز الاقتراض للحاجة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في خبر أبي رافع في صحيح مسلم، وقد رخص أهل العلم بالاقتراض لشراء الأضحية والهدي وأداء العمرة والحج لمن كان قادرا على الوفاء فلا حرج على المؤمن أن يقترض لذلك عند استطاعته على السداد إذا كان لديه راتب وظيفة أو صنعة أو تجارة تعود عليه بالربح غالبا ونحوه أما من كان يعلم من نفسه العجز عن ذلك فلا يجوز له ذلك ولا ينبغي له حينئذ أن يشغل ذمته بواجب لأداء نفل وهذا من قلة الفقه في الدين.

 ومن خشي على نفسه الوقوع في الزنا واحتاج إلى الزواج ليتعفف أبيح له الاقتراض والله سيعينه على السداد لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ثلاثة حق على الله عونهم المكاتب يريد الأداء والمتزوج يريد العفاف والمجاهد في سبيل الله». [رواه أهل السنن]. وهذه بشرى للشاب المعوز الراغب في الزواج لأجل العفاف.

خطأ خطير

  ومن الأخطاء الشائعة في هذا الباب التي تخفى على بعض الصالحين أن يكون عند الشخص مال لأحد أقاربه ائتمنه عليه أو مال لشريكه أو مال لأيتام أو مال لجمعية خيرية فيقترض منه ويتصرف فيه إلى حلول الراتب من غير علم صاحبه وهذا لا يجوز إلا بإذن المالك فإن أخبره وأذن له حل له وإلا فتصرفه يعد من الخيانة.

علاج من أثقلته الديون

  ومن أثقلته الديون وعلته الهموم وعجز عن أدائها فعليه بالإقبال على الله وكثرة الاستغفار ولزوم الفرائض واجتناب الحرام والإكثار من الدعاء وحسن الظن والرجاء بالله وعدم اليأس. فعن علي رضي الله عنه: أن مكاتبا جاءه فقال إني قد عجزت عن كتابتي فأعني قال ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان عليك مثل جبل ثبير دينا أداه الله عنك قال قل: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك». [رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب].

كم من أقوام تحملوا ديونا وعجزوا عن قضائها ولجأوا إلى الله واكثروا من الاستغفار فجاءهم الفرج من حيث لم يحتسبوا.

   وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخل رسول الله ذات يوم المسجد فإذا هو برجلٍ من الأنصار يقال له أبو أمامة جالساً فيه فقال: يا أبا أمامة ما لي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: همومٌ لزمتني وديونٌ يا رسول الله، -لاحظ أنه ما طرق بيوت العباد ولا ذهب إلى المخلوقين بل ذهب إلى ملك الملوك وقاضي الحاجات ومفرج الكربات.

قال صلى الله عليه وسلم: أفلا أعلِّمك كلاماً إذا قلته أذهب الله عز وجل همك وقضى عنك دينك؟ فقال: بلى يا رسول الله، قال: «قل إذا أصبحت وأمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من البخل والجبن وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال». قال: فقلت ذلك فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني [رواه أبو داود].

وسائل تحميك من كثرة الدين

  هناك وسائل تحمي المؤمن من كثرة الدين وتحفظه:

1- تدبير المال وحسن تصريفه وتقديم الأهم فالمهم.

2- إدخار شيء من المال للحوائج والضائقات. وفي الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لو كان لي مثل أحد ذهباً ما يسرني ألا يمر علي ثلاث وعندي منه شيء إلا شيئاً أرصده لدين».

 الاقتصاد في الإنفاق على قدر الحاجة وعدم إنفاقه في السفاسف كما قال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ولاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}[الإسراء:29]

3- القناعة والرضا بما قسم الله من الرزق والتكيف على حسب الظروف والإمكانيات. وفي سنن الترمذي قال صلى الله عليه وسلم: «من أصبح آمناً في سربه معافا في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها»[ صحيح سنن الترمذي 2/274].

4-  التأني والتروي في شراء السلع وضبط النفس على التحكم في عدم شراء السلع الغالية. وقيل لإبراهيم بن أدهم إن اللحم قد غلا فقال أرخصوه أي لا تشتروه.

5- تحكيم العقل في الدعايات وعدم الغلو في تتبع الموضة على حساب الديون.

6-    النظر لمن هو أقل منك في الدنيا وأعلى منك في التدين: قال صلى الله عليه وسلم «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، ولَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ» [ أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب الأطعمة].

فضل الإقراض والتجاوز عن المعسرين

  من أقرض مسلما وفرج همه ووسع عليه في تأخير السداد أو العفو عن بعض المال أو مسامحته بالكلية مراعاة لحاله فله ثواب عظيم ورجي له عفو الرب ومسامحته في الآخرة جزاء لصنيعه في الدنيا وقد ورد فضل عظيم في السنة كما روي في حديث ابن مسعود قوله صلى الله عليه وسلم: «من أقرض مسلما مرتين كان كصدقة مرة لو تصدق بأحدهما». [رواه ابن ماجه]. وورد في البخاري تجاوز الله عن مذنب كان يتجاوز عن المعسرين. وفي صحيح مسلم: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه». ويجب على الدائن الصبر وعدم مشاكاة ومقاضاة المدين إذا كان معسرا لا يقدر على السداد.

 وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: « إن رجلاً لم يعمل خيرا قط، كان يُداين الناس، فيقول لرسوله: خذ ما تيسر، واترك ما عَسُر، وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا، فلما هلك، قال الله عز وجل له: هل عملت خيرا قط؟ قال: لا، إلا أنه كان لي غلام، وكنت أداين الناس، فإذا بَعَثْتُه يتقاضى، قلت له: خذ ما تيسر، واترك ما عسر، وتجاوز، لعل الله يتجاوز عنا، قال الله عز وجل: قد تجاوزتُ عنك » [مسند الإمام أحمد 14/ 344 رقم 5730. وأصله في الصحيحين.صحيح البخاري 1/ 126 رقم 2078، صحيح مسلم 3/ 1196 رقم 1562.].

وروى الإمام أحمد (22537) عَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: « مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا َهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ».[ صححه الألباني في "الصحيحة" (86)، ومحققو المسند، ط الرسالة.]

السعي لقضاء دين المدينين

 ومن البر والإحسان في هذا الباب أن يسعى من كان له جاه وقول في الناس في قضاء ديون المحتاجين بدفع المال للدائن أو الشفاعة عنده بإسقاط بعض الدين أو جميعه عن المدين كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشفع لأصحابه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اشفعوا تؤجروا». [متفق عليه].

أهمية توثيق الديون وكتابتها

  ينبغي على المؤمن أن يوثق ديونه ويكتبها في وصيته ويحرص على سدادها في الدنيا حتى إن عجز عنها لم تضع حقوق الخلق وسخر الله له من يقضيها عنه من ولده وقرابته وينبغي على الولد أن يجتهد كل الجهد في إبراء ذمة أبيه ويحرص على استنقاذ أبيه من هول الحساب والنار، ولا يتساهل ويسوف فيها كما يفعل بعض الأولاد اليوم مع غناهم والله المستعان وهذا السداد من أعظم الإحسان بعد موت أبيه وله أجر عظيم في هذا البر وليتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «نفسُ المؤمِنِ مُعَلَّقةٌ بدَيْنِهِ حتَّى يُقْضَى عنهُ » [رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن، ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي]

  ومن بر أباه بره بنوه فهنيئا للولد الصالح الذي يوفقه ربه لقضاء ديون والديه ويسرع في إبراء ذمتهما المالية والعبادية.

اجتهد في قضاء ديونك

   ينبغي على المؤمن أن يحرص ويجتهد على قضاء ديونه وإبراء ذمته من الحقوق والمظالم قبل أن توافيه المنية وهو متورط وليكن صادق النية في السداد ليفرج الله عنه ويكون معه؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "«من مات وعليه دينار أو درهم قضي من حـسناته ليـس ثَمَّ ديـنار ولا درهم » [رواه ابـن مـاجة وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة 2/53].

   وليجعل هذا الهدف أعظم هدف يسعى إليه في دنياه قبل التوسع في المباحات لأنه من آكد الواجبات وأعظمها خطرا ثم إن قضى دينه ورزقه الله وتوسع في معاشه فالحمد لله وإن لم يوسع الله عليه وعاش كفافا من الرزق كحال النبي صلى الله عليه وسلم فهو سعيد وناج في الآخرة ويعوضه الله خيرا عظيما لقصده وقناعته وتعففه.

آداب الدائن عند الاقراض

 وينبغي للدائن عند إقراضه للآخرين أن يراعي الأمور التالية:

1 - أن يُقرض من طيب ماله لا من رديئه، قال تعالى: { ولاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ ولَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ }[البقرة:267]

2 - أن يحتسب الأجر بهذا الدين وألا يمن به فإن المن سبب لإحباط أجره، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ والأذَى }[البقرة:264]

3 - أن يُنظر المدين ويخفف عنه الدين إذا رأى منه العسر والرغبة في السداد، قال تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ }[البقرة:280]

4 - أن يقيد هذا الدين بالكتابة ويشهد عليه حتى لا يحصل الخلاف، قال تعالى: { ولاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ }[البقرة:282]

        من عجز عن أداء ما عليه من دين في حينه

  فليستأذن من استدان منه فإنه أطيب لخاطره وأركد لباله.. وينبغي ألا يبيت أحد منا وفي ذمته دين قليلا كان أو كثيرا، إلا كتبه في وصيته لحديث ابن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -‘-: «ما حق امرئ مسلم أن يبيت ليلتين وله شيء يوصي فيه، إلا ووصيته مكتوبة عنده»، وكما تعلمون فإن الدين مقدم في القضاء بعد الوصية على قسمة الميراث، فهو أول ما يتم سداده من الحقوق.. فلا يأخذ الورثة حقهم إلا بعد الوصية وقضاء الدين الذي على الميت، كما قال تعالى: { مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ }[النساء:11]

 أسأل الله أن يصلح أحوالنا ويقضي ديوننا ويبارك في أرزاقنا ويُحسن ختامنا.آمين

       وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

د. أمير بن محمد المدري

اليمن –المهرة

وتسآب: 00967711423239