‏إظهار الرسائل ذات التسميات الخطب المنبرية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الخطب المنبرية. إظهار كافة الرسائل

وصايا لقمان الحكيم (2)

 

الحمد لله الربِّ الغفور، العفو الرؤوفِ الشكور، الذي وفّق من شاء من عباده لتحصيل المكاسب والأجور، وجعل شغلهم بتحقيق الإيمان والعمل الصالح، يرجون تجارةً لن تبور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي بيده تصاريف الأمور، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أفضل آمر وأجل مأمور،

قُل لِلْحرُوفِ إِذَا سَكبَت عبِيرَهَا ‍
صَلَّى عَليْكَ الله مَـا سَارتْ بِنَا ‍


 مَنْ غَير أحْمد يستحِقُّ مدائِحِي
 أرْضٌ وثَارَ الشَّوْقُ بيْنَ جوانِحِي


اللهم صلّ وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم البعث والنشور.

أما بعد: أيها الناس، أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، وراقبوه تفوزوا برضاه، قال جل شانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ومَنْ يُطِعْ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ [الأحزاب:71]

عباد الله:ما زلنا وإياكم مع سورة لقمان، ووصايا لقمان، ذلك الأب الرحيم الذي أتاه الله الحكمة فهو ينظر إلى ابنه نظرة شفقة وعطف، حتى لا يقع في مهاوي الزيغ والضلال، ولهذا كانت وصاياه من الأهمية بمكان تلك الوصايا الإيمانية التربوية الخُلُقية، تلك الوصايا التي ترسم منهجاً للآباء والأمهات، والمربين والمربيات.

 ومع الوصية الأولى: يقول تعالى: ﴿ وإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[لقمان:13].

إنها العقيدة، إنه الإيمان بالله (¸)، إنها التربية الإيمانية بدايتها البراءة من الشرك والتحذير منه.

قال ابن القيم -/ -:©من أراد علو بنيانه في التربية فليحكم أساسه بالإيمان®.

أول واجب على الوالدین هو غرس العقيدة الصحيحة، فهي الأساس لبناء إيمان المسلم، وأخباره بان الله أحب إليه من أمه وأبيه ونفسه، وكذلك يتربى على الخوف من الله، ومراقبته وخشيته لأن ©كل مولود يولد هو على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه يمجسانه® كما قال رسول الله -^- [صحيح البخاري (1358) صحيح مسلم (2658) عن أبي هريرة (¢)].

قال أحد السلف: "كنت صغيرا فقال لي خالي يوما: ألا تذكر الله الذي خلقك، فقلت: كيف أذكره؟ فقال: قل بقلبك عند قيامك وعند نومك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك، الله معي، الله ناظري، الله شاهدي، الله سيحاسبني. قال: فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته، فقال: قل في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك، قال فوقع في قلبي حلاوته، فلما كان بعد عام، قال لي خالي: احفظ ما علمتك، ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة،، ثم قال لي خالي يوما: يا سهل من كان الله معه وناظرا إليه وشاهده، أيعصيه؟ إياك والمعصية، هكذا يُنشأ الفتيان، وتُربى الأجيال.

وينشا ناشئ الفتيان منا على ما كان عوّده أبوه
﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[لقمان:13].

 وهذا هو الظلم العظيم حقاً؛ فلا أظلم ممن سوَّى المخلوق من تراب بمالك الرقاب، وسوى الذي لا يملك من الأمر شيئاً بمالك الأمر كله، وسوى الناقص الفقير من جميع الوجوه بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟

روى الشيخان في صحيحيهما عن ابن مسعود -ا- قال: لما نزلت: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام: 82] قلنا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟! قال: ليس كما تقولون ﴿ ولَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ أي بشرك، أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾.

ومن الشرك دعاء غير الله، قال تعالى: ﴿ ومَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف:5] ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ [الأعراف:194].

﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾. ومن الشرك الذهاب للسحرة والمشعوذين. ومن الشرك التشاؤم بالأيام أو بالشهور و بالأشخاص.

ومن الشرك الحلف بغير الله، والذبح لغير الله، والنذر لغير الله. ومن علّق تميمة فقد أشرك.

 عبد الله: لو أردنا أن نضغط لك الدين كلَّه بكلمتين نقول لك: وحِّد واعبد، آمن بأنه لا إله إلا الله، آمن بالله خالقاً، ورباً، ومسيّراً، إذا آمنت ووحدت فقد بلغت قمَّة العلم، والعلم لا يصلح إلا بالعبادة.

ثم تأتي الوصية الثانية يقول تعالى في سورة لقمان: ﴿ ووَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْناً عَلَى وهْنٍ﴾...

أول الواجبات بعد التوحيد والإيمان بر الوالدين والشكر لهما فالله قرن حقه بحق الوالدين: ﴿ وقَضَى رَبُّكَ إلّا تَعْبُدُوا إلّا إِيَّاهُ وبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]. رضا لله من رضا الوالدين....

وإذا كان حق الوالدين من الحقوق العظيمة المؤكدة فإن حق الأم آكد وأعظم، يقول الله (¸): ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْناً عَلَى وهْنٍ [لقمان: 14].، فجعل حق الأم على الابن أعظم وأكبر من حق الأب، لأن الأم أوفر رحمة وأعظم شفقة، فهي التي تقاسي من آلام الحمل والوضع، وهي التي تشقى وتتعب في الرضاعة والحضانة والتربية، إنها تسهر ليلها ليرتاح ابنها، إنها تجوع نهارها ليشبع ابنها، كما أن الأم هي المحور والمركز الذي تلتقي حوله الأسرة، وهي مصنع الرجال ومربية الأطفال، لذا استحقت التكريم والرعاية والعناية، وأمر رسول الله -^- بلزومها براً وخدمة وإحسانا فقال لمن أراد الجهاد معه، وأراد الهجرة معه: ©إلزمها فإن الجنة تحت أقدمها®، وفي رواية © ألزم رجلها فثم الجنة®[صحيح، أخرجه أحمد (3/429) والنسائي، وابن ماجه: كتاب الجهاد - باب الرجل يغز وله أبواب، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (2908)].

وجعل رسول الله حقها آكد من حق الأب ثلاث مرات، حين سأله رجل: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي، يا رسول الله فقال: « أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ، أَدْنَاكَ ». [ صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْناً عَلَى وهْنٍ ﴾، أي: ضعفاً على ضعف، والمرأة بذاتها ضعيفة، فاجتمع لها ضعفها الذاتي مع ضعف بسبب الجنين الذي يتغذى منها، ويكبر في أحشائها يوماً بعد يوم؛

لأمك حق لو علمت كبير ‍
فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي ‍
وفي الوضع لو تدري عليك مشقةٌ ‍
وكم غسلت عنك الأذى بيمينها ‍
وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها ‍


 عظيمك يا هذا لديه يسير
 لها من جواها أنّةٌ وزفير
 فكم غصص منها الفؤاد يطير
 ومن ثديها شرب لديك نمير
 حنوا واشفاقا وأنت صغير


 

جاء في الأدب المفرد أن رجلاً يمانيا حمل أمه وراء ظهره يطوف بالبيت فرأى ابن عمر م فقال: إني لها بعيرها المذلل إن أذعرت ركابها لم أذعر، الله ربي ذي الجلال الأكبر، حملت أكثر مما حملت، فهل ترى جازيتها يا ابن عمر؟ قال: لا ولا بزفرة واحدة. وفي رواية ولا بطلقة واحدة من طلقات الولادة.؛ لهذا كان عقوق الوالدين من أكبر، الكبائر.

ثم يقول تعالى: * أَنْ اشْكُرْ لِي ولِوَالِدَيْكَ & [لقمان: 14]

اشكر لله أولاً الذي خلق لك أبيك وأمك.

أنِ اشكر لله فهو الذي عافاك وأعطاك ومنحك وأمنك.

أنِ اشكر لله فهو الذي يسّر لك الغذاء في بطن أمك عبر الحبل السري.

أنِ اشكر لي ولوالديك فهما قضيا وقتاً طويلاً في رعايتك، في حملك، في تغذيتك، في تربيتك، في تنميتك، إذاً يجب أن يتَّجه شكرك لله أولاً ثمَّ لوالديك اللذين كانا سبب وجودك، واللذين كانا ممرَّ فضل الله Q إليك.

والشكر لله وللوالدين علامة سعادة الإنسان، قال سفيان بن عيينه - / -: ([1]) ©من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما ®

﴿ أَنْ اشْكُرْ لِي ولِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ نعم إلي المصير،

إنها التربية على الإيمان بالآخرة، وأنه ما منا من أحدٍ إلا وسيقف بين يدي ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ثم يقول تعالى: ﴿ وإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بالله ما ليس لك به علم[لقمان: 15].

ويتحقق حق الوالدين على الأولاد بطاعتهما ما داما يأمران بالخير، فإن أمرا بمعصية الله فلا تجوز طاعتهما، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولكن لا يسقط حقهما في المعاملة الطيبة والصحبة الكريمة حتى لو كانا كافرين وصاحبهما في الدنيا معروفا.

أمرك أبوك أن تتعامل بالربا والحرام والكذب في تجارتك وبيعك ً فلا تطعه.

أمرك والداك احدهما أو كلاهما بقطع الصلاة فلا تفعل.

أمرك أبوك أن تعق أمك أن تقطع أرحامك فلا تطعه فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

﴿ وإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تشرك بي ما ليس لك به علم[لقمان: 15]. هذه الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص -ا-، لما أسلم سعد غضبت أمه - وكانت شديدة الحب له فكادت تُجَنُّ وحلفتْ لا تأكل ولا تشرب ولا تغتسل، حتى يرجع دينه، فلما علم سعد بذلك قال: دعوها والله لو عضَّها الجوع لأكلتْ، ولو عضَّها العطش لشربتْ، ولو أذاها القمل لاغتسلتْ، أما أنا فلن أحيد عن الدين الذي أنا عليه، فنزلت: ﴿ وإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً & [لقمان: 15] ولو كانا كافرين ولو كانا مؤمنين.

ثم يقول تعالى: * واتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ & [لقمان: 15].. اتبع سبيل من أناب إلى الله.

هنا يأمر الله تعالى باتباع سبيل المؤمنين، والسير على نهجهم وطريقتهم، وأولى الناس بالاتباع هم الأنبياء، وعلى رأسهم محمد -^-، ثم صحابته الكرام- رضوان الله عليهم-؛ لأن اتباع أي سبيل آخر، يؤدي إلى الناروالعياذ بالله- كما قال الله تعالى: * ومَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وسَاءَتْ مَصِيراً [النساء:115]

* واتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ & صاحب من يُذكّرك بالله رؤيته، ويزيدك علما وخشية منطقُه، صاحب من يعينك على طاعة الله ويبعدك عن معصية الله.

إنها رسالة في أهمية الصحبة في التربية، وحُسن اختيار الصحبة لأولادنا ولبناتنا.

صاحب من يُذكّرك بالله رؤيته ويزيدك علما وخشية منطقه. صاحب من يعينك على طاعة الله ويبعدك عن معصية الله.

﴿ الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إلا المتقين[الزخرف: 67].

! جاءتنا الأخبار أنَّ أحد الشباب سلك طريق الاستقامة وركب سفينة النجاة، وبدأ يحافظ على الصلاة ويحفظ القرآن، بدأ يتذكر أصحاباً له لا زالوا يغرقون في لجج المعاصي والآثام، ودَّ لو أنهم ركبوا معه في سفينة التوبة والنجاة، وانضموا إلى قوافل العائدين، زارهم وليته لم يفعل! وهذه نصيحة لكل تائب وجديد في طريق الاستقامة، لا تذهب لأصحاب الماضي وحيداً، خذ معك من يعينك على دعوتهم؛ لأنَّ الكثرة تغلب الشجاعة. زارهم يريد لهم الهداية؛ فبدأ الهجوم عليه من كل الجهات، أتذكر يوم كذا وكذا، وعلت الأصوات، وانطلقت الضحكات، وقام من عندهم بعد أن جددوا جراحاً ماضية، وحركوا في القلب والنفس أشياء، وبدأ الصراع من جديد، جاءوه بعد أيام يعرضون عليه السفر إلى مكان قريب بقصد شراء سيارة، قالوا له: نريد من يذكرنا بالله ويؤمنا في الصلاة ويعلمنا الجمع والقصر، فزينت له نفسه السفر وانطلق معهم، وليته لم يفعل! هناك حيث يُعصى الله استأجروا شقة مفروشة وتركوه فيها، وذهبوا وهم يخططون كيف يعيدونه إلى شواطئ الضياع مرة ثانية، أمضوا ليلتهم في سهرة ليلية بين خمر وغناء، وهو هناك ينتظرهم، اتفقوا مع بغي زانية فاجرة على أن يدفعوا لها الثمن أضعافاً مضاعفة إن هي استطاعت أن توقع صاحبهم في الفاحشة. الله أكبر! يدفعون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، أدخلوها عليه، ومعها خمر وشريط غناء، حتى تكون الليلة حمراء، والخمر مذهب للعقل، والغناء بريد الزنا، خلت به وخلا بها «وما خلا رجل بامرأة إلاَّ كان الشيطان ثالثهما» ولا زالت به حتى سقته كأساً من خمر، ثم ثانية ثم ثالثة ثم وقع المحظور، وانهدم في لحظات بنيان لطالما تعب حتى بناه، نام في فراشه عارياً مخموراً والعياذ بالله! فلما أصبح الصباح جاء شياطين الإنس يطرقون الباب وضحكاتهم تملأ المكان، فتحت الفاجرة لهم الباب، فقالوا لها: هاتِ ما عندك، ما الخبر؟ ما البشارة؟ قالت: أبشروا أبشروا فقد فعل كل شيء، شرب الخمر وزنا ثم نام وهو عريان في فراشه الآن! تباً لهم ولأمثالهم أيفرحون ويستبشرون أن عُصي الله؟! يفرحون أنَّ صاحبهم زنا وشرب الخمر، بعد أن كان يصلي ويقرأ القرآن؟! دخلوا عليه ضاحكين شامتين وهو مغطىً في فراشه، أيقظوه، فلان فلان فلم يجبهم، فكرروا النداء فلان فلان فلم يجبهم، حركوه وقلَّبوه في فراشه فلم يستيقظ. اسمع الفاجعة، صاحبنا شرب الخمر وزنا ونام، ومات من ليلته في فراشه على أسوأ ختام، إنا لله وإنا إليه راجعون! يالله! أما كان صاحبهم يصلي ويصوم ويقرأ القرآن؟! أليس قد جاء معهم يريد لهم الهداية فأرادوا له الغواية؟! لقد دفعوا أموالهم وأوقاتهم ليصدوه عن سبيل الله، فهل سينقذونه من عذاب الله، أي أصحاب هؤلاء؟! وصدق الله حين قال: ﴿ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا ويْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا [الفرقان: 29].

  فلا تصحب أخا الفسق وإياك وإياه

  فكم فاسقٍ أردى مطيعاً حين آخاه.

وقال -^-: «إنَّ من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويلٌ لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه»[ رواه ابن ماجة وحسنه الألباني ].

ثم يقول تعالى:* ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ &.... المرجع والمصير والمآب والمنتهى إلى الله: لماذا؟

*ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ & المرجع والمصير والمآل والمنتهى إلى الله: لماذا؟

إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ للحساب والعقاب، إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فلا بد من الوقوف بين يدي الله،﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وعَدَّهُمْ عَدّاً * وكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:95]

إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ أنبِّئكم بحقيقة أعمالكم، وأنبِّئكم بنتائج أعمالكم، ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62]

عباد الله وصايا لقمان لم تنته ولنا لقاء آخر بحول الله وقوته.

هذا وصلوا - عباد الله: - على رسول الهدى فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: * إِنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيماً&. [الأحزاب: 56]

اللهم صلِّ وسلّم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين.



وصايا لقمان اللحكيم (1)

 وصايا لقمان (1)

الحمد لله الذي يقبل توبة التائبين ويمحو بفضله وعفوه وحلمه إساءة المذنبين الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء وهو أرحم الراحمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الأمين صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين وعلى جميع من سار على نهجهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين وحشرنا وإياكم معهم بمنه وكرمه وهو أرحم الراحمين.

اتقوا الله - عباد الله - فبتقوى الله تستنير البصائر، وتستريح الضمائر؛ فتفرق بين السليم والسقيم، والحق والباطل قال تعالى: ﴿ يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ويُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ واللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[الأنفال: 29].

نعيش اليوم وإياكم مع نموذج فريد من القصص القرآنية التي يحكي فيها الله لنا قصة عبد صالح في سورة سميت باسمه؛ إعلاء لشأنه، ذكر الله فيها ما جرى له مع ابنه من حديث مؤثر في التربية والنصيحة،

إنه لقمان الحكيم

عباد لله: كان لقمان مولى من الموالي، لكن رفع الله (¸) ذكره بالتقوى، كان مملوكاً ولكن أحيا الله قلبه بالتوحيد والإيمان، كان أسود اللون غليظ الشفتين كأهل جنوب إفريقيا، لكنه مع ذلك أبيض القلب نقي السريرة، تخرج من بين شفتيه الغليظتين الحِكَم الرقيقة والمعاني الدقيقة.

وصدق رسول الله- -^- حين قال: « إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم »[رواه مسلم].

 لذلك حين ترى مَنْ هو أقل منك في مال، أو صحة، أو جاه، أو منظر فلا تغتر بذلك، ولا تسخر منه وانظر وتأمل ما تميزّ به عليك؛ لأن الخالق سبحانه وزَّع فضله بين عباده بالتساوي، بحيث يكون مجموع كل إنسان يساوي مجموع الآخر، ولا تفاضلَ بين الناس إلا بالتقوى،﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾[الحجرات:13]و قال رسول الله -^-: « لا فضل لعربي على أعجمي ولا أسود على أبيض إلا بالتقوى والعمل الصالح »[ أخرجه أحمد «5/411» »].

قد يقول قائل: ما دام لقمان ليس نبياً، فكيف يؤتيه الله هذا الفضل العظيم؟ الجواب: بالمدد والإلهام الذي قال الله فيه: ﴿ إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ﴾ [الأنفال: 29].

وقوله جل شأنه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ﴾[البقرة:282]، وقوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ واللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [البقرة:105].

عباد الله:لم يكن لقمان فاتحاً عظيما، أو قائداً عادلا، أو حاكماً مصلحا، ولكنه كان مربيا حكيما.نعم إنها التربية؛ لولا المربي ما خفت ربي.ولهذا سنعيش وإياكم مع وصايا لقمان الحكيم لابنه، تلك الوصايا التي جمعت أمهات الحِكم. تلك الوصايا التي ذكرها الله في كتابه لتكون أُسوة للآباء والأمهات، والمعلمين والمربين والمربيات؛ وأصولا للتربية الإيمانية والخلقية.

لقمان سأله أحدهم: ألم تكُنْ عبداً تخدم فلاناً؟ قال: بلى، قال: فَبِمَ أوتيت الحكمة؟ قال: «باحترامي قدَر ربي، وأدائي الأمانة فيما وليت من عَمل، وصدق الحديث، وعدم تعرُّضي لما لا يعنيني».              

وهذه الصفات كافية أيها المؤمنون لأنْ تكون منهجاً لكل مؤمن، اذا أراد أن يؤتيه الله الحكمة، والله لو كانت فيه صفة الصدق في الحديث لكانت كافية.

لذلك وصل لقمان إلى هذه المرتبة وهو العبد الأسود، فآتاه الله الحكمة مباشرة، وهو ليس نبياً ولا رسولاً، وسُمِّيت إحدى سور القرآن باسمه، وهذا يدلك على أن الإنسان إذا أصلح علاقته وصلته بالله، وأخلص في طاعته فإن الله يُكرمه ويُعطيه من فيضه الواسع، فيكون له ذِكْر في مصافِّ الرسل والأنبياء.

لقمان (): قال له مولاه: يا لقمان! اذبح لنا شاة فذبحها ثم قال ائتني بأطيب مضغتين فيها فأتاه بالقلب واللسان.

فقال له: أما فيها أطيب من هذين؟ فقال: لا.

فلما كان ذات يوم آخر قال له: اذبح لنا شاة.فلما ذبحها قال له: ائتني بأخبث مضغتين منها، فأتاه بالقلب واللسان.

 فقال له: أمرتك أن تأتيني بأطيب مضغتين منها فأتيتني بالقلب واللسان، وأمرتك أن تأتيني بأخبث مضغتين منها فأتيتي بهما؟فقال: ليس بأطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا: القلب واللسان.

وبعد لقمان جاء سيدنا رسول الله- -^- يُعلِّمنا هذا الدرس فيقول: «... ألا أن في الجسد مضغة إذا صَلُحت صلح الجسد كله، وإذا فسدتْ فسد الجسد كله، ألا وهي القلب »[ رواه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير -ا-].

 ويقول -^- في حديث آخر كما في حديث سهل بن سعد المتفق عليه: « من حفظ ما بين لحييه وما بين رِجْليه دخل الجنة ». أي اللسان والفرج.

وكان من دعاء النبي -^-: «اللهم طهّر قلوبنا من النفاق وعملنا من الرياء وألسنتنا من الكذب والغيبة والنميمة وأعيننا من الخيانة إنّك تعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور».

عباد الله: من أهم ما تميز به لقمان:

- تركه مالا يعنيه وطول صمته وقلة كلامه.. وكلها تدور حول معنى واحد وهو حفظ اللسان..

أخي المؤمن: اعلم إن عنوان سعادتك في هذه الدنيا أن تعيش وقد سلم منك الناس وسلمت منهم.

اعلم أن راحتك أن تعيش معافى لا تهمز ولا تلمز ولا تخوض ولا تغتاب، ولا تنشر عيوب الناس وتتبع عوراتهم.

أخي الحبيب: طمأنينتك أن تعيش وأنت تُعظّم حرمات المسلمين وأعراضهم..تعيش وأنت تحمل (هم لسانك) فإن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه.

يقول تعالى ـ عن لقمان في سورة لقمان: ﴿ ولَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ [لقمان: 12]،

ما هي الحكمة وما معناها، وكيف نعرفها أيها الكرام؟

الحكمة مصدرها الله سبحانه الحكيم يؤتيها من يشاء، ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ومَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:269].

 وهي كما قال السلف: مخافة الله، وقال بعض أهل العلم: «الحكمة هي فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي بالقدر الذي ينبغي ».

والحكمة إذا أُطلقت في القرآن فلها معنيان اثنان: إذا ذُكرت مع القرآن فمعناها السنة، قال تعالى: ﴿ واذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ والْحِكْمَةِ[الأحزاب: 34]. ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ وإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ[الجمعة:2]، وإذا ذُكرت وحدها فمعناها وضع الشيء في موضعه، و التسديد في الأمور، ولا حكمة لفاجر ولا سداد لعاصي، ومن عصى الله خذله في كلامه وأفعاله وحاله، ومن بارز الله بالخطايا نزع الله من قلبه الحكمة والنور. ﴿ ومَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾[النور:40].

﴿ ولَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ﴾ [لقمان: 12] ثم فسر الله الحكمة بقوله: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ [لقمان: 12] لا إله إلا الله ما أعظمها من حكمة! ورأسها شكر الله (¸)، ولم يفسرها ـ بمنصب أو بشهادة أو بمال، أو بثروة، بل جعلها شكره سبحانه على نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الطاعة والهداية والإرشاد.

﴿ أَنِ اشْكُرْ للَّهِ.. ﴾ هذه هي الحكمة الأولى في الوجود؛ إنْ تشكر الله على ما قدَّم لك قبل أنْ توجد، وعلى ما أعطاك قبل تسأل، وعلى ما هدى جوارحك لتؤدي مهمتها حتى وأنت نائم، كأنه تعالى يقول لعباده: ناموا أنتم فربكم لا تأخذه سنة ولا نوم.

قيل لأحد الصالحين: ما شُكر الله؟ قال: أما شُكر العينين فالبكاء- وشكر القلب الحياء، وشكر اللسان الثناء، وشكر الأذنين الإصغاء.

هذا هو الشكر،: شُكر العينين البكاء، وعين بكت من خشية الله لا تمسها النار، و شُكر القلب الحياء من الله (¸)؛ بمراقبته والخوف منه وخشيته في السر والعلانية، وأما شكر اللسان فالثناء على الله؛ التسبيح والتحميد، والذكر وتلاوة القرآن، والصلاة على محمد العدنان هذا هو شُكر اللسان، وشُكر الأذنين الإصغاء للخير والحكمة ولكلام الله (¸).

اللهم اجعلنا لك شاكرين لك منيبين لك مخبتين، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد..

أيها المؤمنون: الشاكرين من عباد الله قليل، قال تعالى: ﴿ وقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ﴾ [النمل:73]أكثرهم يسخطون، أكثرهم لا يُقدّرون نعم الله عندهم، أكثر الناس يشكون الخالق إلى المخلوق.

يقول أحدهم: أعمل بأحد المستشفيات وقاربت فترة دوامي على نهايتها أبلغني المشرف أن شخصيه اقتصاديه تتعامل بمئات الملايين قادم وعلي استقبال وإكمال إجراءات دخوله. انتظرت عند بوابه المستشفى راقبت من هناك سيارتي القديمة جداً وتذكرت خسائري الكبيرة وديوني المتعددة وعندها وصل هذا المليونير ليكمل مأساتي حيث حضر بسيارة أعجز حتى في أحلام المساء أن أمتلك مثلها يقودها سائق يرتدي ملابس أغلى من ملابسي التي ارتديه دخلت في دوامة التفكير في الفارق بين حالي وحاله مستواي ومستواه ( شكلي وشكله )وقلتها بكل حرقه ومنظر سيارتي الرابضة كالبعير الأجرب يؤجج مشاعري ( هذي عيشة )واذا به ينزل من سيارته وكانت المفاجأة الأولى أنه نزل على كرسي متحرك فهو لا يستطيع المشي عموما سبقته إلى مكتبي وحضر خلفي وكان يقوده السائق على كرسي متحرك رأيت أن رجله اليمنى مبتورة من الفخذ اهتزت مشاعري وسألته!!عندك مشكله في الرجل المبتورة!!أجاب بـ لا!!قلت فلماذا حضرت يا سيدي!قال عندي موعد تنويم!!قلت ولماذا!!نظر إلي وكتم صوته من البكاء وأخفى دمعه حارة بغترته وقال( ذبحتني الغرغرينا )وموعدي هو من أجل ( بتر ) الرجل الثانية عندها أنا الذي أخفيت وجهي وبكيت بكاءً حاراً فقال أتبكي على حالي قلت لا بل على حالي وعدم رضاي عن ربي ابكي ليس على حالك فحسب بل لكفر النعمة الذي يصيب الإنسان عند أدنى نقص في حاله ينسى كل نعم المولى في لحظه يستشيط غضباً عند اقل خسارة تحسست قدماي وصحتي فوجدتها تساوى كل أموال و كل سيارات العالم وهذا غيض من فيض من نعم الله!! ومنذ ذلك اليوم وأنا احتسب أي خسارة أو نقص عندي، أو بلاء في نفسي أو أهلي أو مالي راضياً بحكم الله الحمد لله الذي بشكره تدوم النعم.

يقول سبحانه: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا ﴾ [سبأ: 13] جمع داود () آله وأولاده- فخطب فيهم وبكى وقال: « يا آل داود! إن الله أنعم عليكم بنعم ظاهرة وباطنة، أتريدون أن تبقى؟ قالوا: نعم. قال: قيّدوها بالشكر».

إذا كنت في نعمةٍ فارعها ‍
وحافظ عليها بتقوى الإله ‍


 فإن المعاصي تُزيل النعم
 فإن الإله سريع النقم


وإذا ما شكر الإنسان ربه على ما علمه وأعطاه ووهبه؛ فإن ذلك من أسباب زيادة النعم كما قال تعالى: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾[إبراهيم:7]

ثم يقول تعالى ﴿ ومَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ [لقمان: 12] من صلَّى صلَّى لنفسه، من صام صام لنفسه، من عمل صالحا فلنفسه، إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم. ﴿ ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [لقمان: 12]، ومن كفر بهذه النعم؛ فإن الله غني حميد، أي: لا يحتاج إليهم وليس في حاجتهم، وإنما تسببوا لأنفسهم بويل وخسران.

قال تعالى:﴿ وإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ ﴾.

عباد الله: مع وصايا لقمان الحكيم لابنه. مع المنهج القرآني لتربية الأبناء قال تعالى: ﴿ ø وإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ﴾..

هل استشعرت أخي الحبيب نعمة البيان، لو حُرمت نعمة الكلام يقول تعالى:﴿ الرَّحْمَنُ *عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ [الرحمن: 4].

أيوب () روي انه قال: يارب ابتليني بما شئت، ولكن اترك لي لسانك أذكرك به وأسبحك به.

﴿ وإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وهُوَ يَعِظُهُ ﴾.

 والمواعظ إذا خرجت من قلب صادق لاقت بإذن الله قبولا مباركا، قبل أن نعظ الآخرين لنعظْ أنفسنا أولا، ولندقق في أخطائنا..

﴿ وإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ ﴾.

هذه الجلسة الإيمانية، والحوار المباشر الخاص بين الأب وابنه، أو المربي ومن يربيه.تلك الجلسة التي يبث فيها موعظته ومشاعره والتي يعبر له فيها عن حبه، ويذكره بالعلاقة بينهما فكرر النداء بلفظ " يا بني" هذه الجلسة المفقودة في معظم بيوتنا حين يجلس الأب مع أبنائه يعظهم، ويذكّرهم حين يجلس المربي مع يعلمهم ويربيهم بهذه الوصايا.

يا بني:

 كلمة يا بنيَّ ماذا يُستنبط منها؟ هذه اللفظة تفتح القلب، لفظة محبَّبة، فكأن الله ـ من خلال وصيَّة سيدنا لقمان، يُعلِّمنا أنه عليكَ أن تفتح قلب الإنسان قبل أن تفتح عقله، القسوة لا تُجدي. قال تعالى ﴿ ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[آل عمران: 159].

قد كان -^- يصنع هذا، وذلك مثلا لما قال لمعاذ بن جبل -ا- عندما أراد أن يوصيه أَخَذَ بِيَدِهِ وقَالَ: © يَا مُعَاذُ! واللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، واللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ... أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبَادَتِكَ ® [رواه أبو داود (1522) قال النووي في "الأذكار" (ص/103): إسناده صحيح. وقال الحافظ ابن حجر في "بلوغ المرام" (ص/96): إسناده قوي. وصححه الألباني في "صحيح أبي داود]. 

يجب على الأب أن يستخدم ألطف والين العبارات لتربية أولاده ونصحهم. ٍ

وتأتي أول وصية وأعظم وصية ﴿ يا بُني لا تشرك بالله﴾: سنبدأ بها جمعتنا القادمة إن شاء الله.

هذا وصلوا - عباد الله: - على رسول الهدى فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: * إن اللَّهَ ومَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيماً &.

اللهم صلِّ وسلّم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين.